
يحاول العراق مواجهة إرث من انتهاكات حقوق الإنسان الخطيرة التي ارتكبها النظام السابق وخلّفها وراءه، مع مواجهة العنف المستمرّ، وعدم الإستقرار السياسي والطائفية. وقد عمل المركز الدولي للعدالة الانتقالية في العراق على إسداء النصح إلى العراقيين حول مختلف خيارات المحاسبة والعدالة وتدابير الرصد المتَّخَذة من أجل معالجة الماضي.
قام حزب البعث بقيادة صدّام حسين بحكم البلاد بقبضة عنيفة ومحكمة لأكثر من 35 سنة. وكانت ممارسات التعذيب وأحكام الموت غير القضائية والتوقيف التعسّفي والإختفاء القسري، من الأعمال الشائعة. ولا يزال حوالى 300,000 عراقي مفقودين منذ تلك الفترة.
وقد اتّسم حكم صدام حسين أيضاً بحملات عنف ضد المجموعات العرقية والدينية في العراق. ويتضمّن ذلك حملة الإبادة الجماعية في الأنفال في أعالي كردستان العراقي. فمن شباط/فبراير إلى أيلول/سبتمبر 1988، يُعتَقَد أنه قد سيق أكثر من مئة ألف كردي وتمّت تصفيتهم.
وفي الجنوب، تضمّن القمع ضدّ الشيعة طرد حوالى نصف مليون شخص إلى إيران، وسجن أو إختفاء ما بين 50,000 إلى 70,000 مدنيّ، والقمع القاسي الذي ووجه به تمرّد العام 1991 حين سُجّل اعتقال الآلاف واختفاءهم او تصفيتهم إعتباطياً.
هكذا فإن عنف النظام وإرث النزاعات المتكررة والعنف والإنتهاكات المستمرَين تضع الممارسين في مجال العدالة الإنتقالية في إطار معقَّد
منذ الغزو الذي قادته الولايات المتّحدة في العام 2003، حاول العراقيون والأجانب وضع الأسس للمحاسبة على جرائم الماضي. لكن مبادرات العدالة الإنتقالية قد عانت من ضعف التخطيط والتنفيذ، ومن تحديّات تخصّ شرعيتها والإفتقار إلى التشاور العام والغايات المتضاربة.
وكان من الممكن لمحاكمة صدام حسين وكبار المسؤولين في نظامه أن تتيح فرصة للعدالة، إلا أن العملية قد شابتها ثغرات كبيرة في نهاية الأمر. فغاب التشاور الرسمي مع الضحايا، وبالتالي ظهر قلق خطير بأنّ العملية لم ترتقِ إلى المعايير الدولية للمحاكمات العادلة.
وأثارت محاولة فحص أهلية الموظفين، من خلال عملية "اجتثاث البعث"، جدلاً واسعاً فضلاً عن وقع إجتماعي وسياسي بعيد الأمد. فتمّ صرف أعداد لم يجري إحصاؤها من أعضاء حزب البعث من الوظائف الحكومية ومنعهم من شغل وظائف في القطاع العام في المستقبل، من دون الأخذ بالعناية الواجبة أو النتائج الإدارية والسياسية والأمنية السيئة التي ستتأتّى عن ذلك. وبات العديد من مؤسسات الدولة يعاني تعطيلاً جسيماً نتيجة لذلك، واعتبر الكثير من العراقيين أن العملية ذات توجيه سياسي.
وما زالت مسائل معاناة الضحايا والمحاسبة على الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان تؤثّر على السياسة الحالية. وسيكون من الضروري التوصّل إلى اعتراف فعّال ومشروع بالماضي لتأسيس دولة عراقية مستقبلية تُحترم فيها سيادة القانون وحقوق الإنسان.
عمل المركز في العراق مع مسؤولين حكوميين ومجموعات من المجتمع المدني منذ العام 2003 مسدياً النصح حول مختلف خيارات العدالة الإنتقالية. وقد قمنا برصد التدابير المتّخَذة لمعالجة الماضي عن كثب وبالتبليغ عنها.
وفي بداية مشاركتنا، أسّسنا شراكة مع مركز حقوق الإنسان في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، لإصدار "أصوات عراقية"، وهو عبارة عن دراسة معمّقة حول الآفاق العراقية في العدالة الإنتقالية. وأظهر التقرير، الذي نُشِر في 2004، ممطالبة قوية بالمحاسبة القضائية على الإنتهاكات لتي ارتكبها النظام السابق.